ابن قيم الجوزية

572

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وأما « ضبط السرور : أن يخرج إلى مشابهة الجرأة » . فلا يقدر عليه إلا الأقوياء أرباب العزائم . الذين لا تستفزهم السراء ، فتغلب شكرهم . ولا تضعفهم الضراء ، فتغلب صبرهم . كما قيل : لا تغلب السراء منهم شكرهم * كلا . ولا الضراء صبر الصابر والنفس قرينة الشيطان ومصاحبته ، وتشبهه في صفاته ، ومواهب الرب تبارك وتعالى تنزل على القلب والروح . فالنفس تسترق السمع . فإذا نزلت على القلب تلك المواهب : وثبت لتأخذ قسطها منها ، وتصيّره من عدتها وحواصلها . فالمسترسل معها ، الجاهل بها : يدعها تستوفي ذلك . فبينا هو في موهبة القلب والروح وعدة وقوة له ، إذ صار ذلك كله من حاصل النفس وآلتها ، وعددها . فصالت به وطغت . لأنها رأت غناها به . والإنسان يطغى أن رآه استغنى بالمال . فكيف بما هو أعظم خطرا ، وأجل قدرا من المال ، بما لا نسبة بينهما : من علم ، أو حال ، أو معرفة ، أو كشف ؟ فإذا صار ذلك من حاصلها : انحرف العبد به - ولا بد - إلى طرف مذموم من جرأة ، أو شطح ، أو إدلال . ونحو ذلك . فو اللّه كم ههنا من قتيل ، وسليب ، وجريح يقول : من أين أوتيت ؟ ومن أين دهيت ؟ ومن أين أصبت ؟ وأقل ما يعاقب به من الحرمان بذلك : أن يغلق عنه باب المزيد . ولهذا كان العارفون وأرباب البصائر : إذا نالوا شيئا من ذلك انحرفوا إلى طرف الذل والانكسار ، ومطالعة عيوب النفس ، واستدعوا حارس الخوف ، وحافظوا على الرباط بملازمة الثغر بين القلب وبين النفس . ونظروا إلى أقرب الخلق من اللّه ، وأكرمهم عليه ، وأدناهم منه وسيلة ، وأعظمهم عنده جاها ، وقد دخل مكة يوم الفتح . وذقنه تمسّ قربوس سرجه : انخفاضا وانكسارا ، وتواضعا لربه تعالى في مثل تلك الحال ، التي عادة النفوس البشرية فيها : أن يملكها سرورها ، وفرحها بالنصر ، والظفر ، والتأييد ، ويرفعها إلى عنان السماء . فالرجل : من صان فتحه ونصيبه من اللّه . وواراه عن استراق نفسه . وبخل عليها به ، والعاجز : من جاد لها به . فيا له من جود ما أقبحه ، وسماحة ما أسفه صاحبها . واللّه المستعان . قال « الدرجة الثانية : الخروج عن الخوف إلى ميدان القبض ، والصعود من الرجاء إلى ميدان البسط ، ثم الترقي من السرور إلى ميدان المشاهدة » . ذكر في الدرجة الأولى : كيف يحفظ الحد بين المقامات ، حتى لا يتعدى إلى غلو أو جفاء . وذلك سوء أدب . فذكر مع الخوف : أن يخرجه إلى اليأس ، ومع الرجاء : أن يخرجه إلى الأمن ، ومع السرور : أن يخرجه إلى الجرأة . ثم ذكر في هذه الدرجة : أدب الترقي من هذه الثلاثة إلى ما يحفظه عليها . ولا يضيعها بالكلية . كما أن في الدرجة الأولى : لا يبالغ به . بل يكون خروجه من الخوف إلى القبض ، يعني لا يزايل الخوف بالكلية . فإن قبضه لا يؤيسه ولا يقنطه . ولا يحمله على مخالفة ولا بطالة . وكذلك رجاؤه لا يقعد به عن ميدان البسط . بل يكون بين القبض والبسط . وهذه حال الكمل . وهي السير بين القبض والبسط .